عثمان بن جني ( ابن جني )

407

سر صناعة الإعراب

فإن قلت : ما تنكر أن تكون هذه الأسماء نكرة لدخول لام المعرفة عليها ، وذلك قولك : الثلاثة نصف الستة ، والسبعة تعجز عن الثمانية واحدا ؟ فالجواب : أنه قد ثبت أن هذه الأسماء التي للعدد معروفة المقادير ، فهي على كل حال معرفة ، وأما نفس المعدود فقد يجوز أن يكون معرفة ونكرة ، فأما إدخالهم اللام على أسماء العدد فيما ذكره السائل نحو : الثمانية ضعف الأربعة ، والاثنان نصف الأربعة ، فإنه لا يدل على تنكير هذه الأسماء إذا لم تكن فيها لام ، وإنما ذلك لأن هذه الأسماء يعتقب عليها تعريفان : أحدهما العلم ، والآخر اللام . ونظير ذلك قولك : لقيته فينة والفينة ، وقالوا للشمس : « إلاهة » و « الإلاهة » ، وقالوا للمنيّة : « شعوب » و « الشّعوب » ، ولهذا نظائر ، فكما أن هذه الأسماء لا يدل دخول اللام عليها على أنها إذا لم تكن فيها فهي نكرات ، فكذلك أيضا « أربعة » و « الأربعة » و « خمسة » و « الخمسة » هو بمنزلة « فينة » و « الفينة » و « إلاهة » و « الإلاهة » ، أنشدنا أبو علي ، ورويناه أيضا عن قطرب من غير جهته : تروّحنا من اللّعباء قصرا * وأعجلنا إلاهة أن تؤوبا « 1 » ويروى : الإلاهة ، فاعرف هذا فإنه لطيف . فإذا ثبت بما قدمناه أن حروف المعجم أصوات غير معربة ، وأنها نظيرة الحروف نحو « هل » و « لو » و « من » و « في » لم يجز أن يكون شيء منها مشتقا ولا مصرّفا ، كما أن الحروف ليس في شيء منها اشتقاق ولا تصريف ، وقد تقدم القول على ذلك في حرف الألف . فإذا كان ذلك كذلك فلو قال لك قائل : ما وزن « جيم » أو « طاء » أو « كاف » أو « واو » من الفعل ؟ لم يجز أن تمثّل ذلك له ، كما لا يجوز أن تمثل له « قد » و « سوف » و « لولا » و « كيلا » ، فأما إذا نقلت هذه الحروف إلى حكم الأسماء بإيقاعها مواقعها من عطف أو غيره ، فقد نقلت إلى مذاهب الاسمية ، وجاز فيها تصريفها وتمثيلها وتثنيتها وجمعها والقضاء على ألفاتها وياءاتها ، إذ قد صارت إلى حكم ما ذلك جائز فيه غير ممتنع منه .

--> ( 1 ) البيت في اللسان مادة ( أله ) و ( 13 / 468 ) ينسب إلى مية بنت أم عتبة بن الحارث وبغير نسب في الجمهرة ( 1 / 316 ) ، ونسب في معجم البلدان إلى مية ( 5 / 18 ) .